القضاء العشائري الجزء الاول

من كتاب القضاء العشائري 
للكاتب المختار : محمود سالم ثابت “ابو السعيد “

إجراءات التقاضى العشائرى

للتقاضى العرفى أصول وإجراءات دقيقة يجب على المتخاصمين إتباعها قبل الوصول إلى القاضى ، ونورد هنا بالتبسيط قدر الإمكان هذه الإجراءات .
وهذه الإجراءات تتلخص فى الآتى :-

أولاً / المصالحة
إذا حدث خلاف أو نزاع بين طرفين ، وترتب على هذا الخلاف أو النزاع إساءة بالقول أو بالفعل ، من أحد الأطراف بحق الطرف الثانى ، فإنه يجب على كبير الطرف المسىء ، وحسب نوع الإساءة أن يذهب هو، أو يرسل مجموعة من الرجال إلى بيت الطرف المساء إليه ، ويطلب منه الصفح والمعذرة وهنا تُستخدم عبارات متعارف عليها تلقى إستحسان الجميع مثل (الصفح عند المقدرة) (نحن أخطأنا بحقك وما لنا بركة إلا أنت) (أخطأنا وحقك فى لسانك) ، وهكذا تستخدم مثل هذه العبارات التى تمتص غضب الطرف المساء إليه ، هنا إما أن يسقط الرجل حقه إكراماً لله والرسول ، ومن ثم إكراماً للجاهة وإما أن يحدد حقه ويتنازل عنه عملاً بالمثل القائل (بين حقك وأسقطه)، وإما أن يتنازل عن جزء منه ويأخذ الجزء الباقى ، وفى بعض أنواع الإساءات فإن الطرف المساء إليه ، قد لا يقابل الجاهة أو أن يعتذر منهم بأنه لا يستطيع أن يعطيهم أى عمار لأن كبيره
غير موجود ، وأحياناً يطالبهم أن يفتحوا له بيت لكى يسمع حقه على لسان قاضى.
إذن فإن المشاجرات البسيطة تُحل عن طريق المصالحة ، أما المشاكل المتعلقة بالضرب ، والقتل و الضرب المبرح و الإعتداء على النساء وخلافه ، فإن على الطرف المسىء أن يبادر لأخذ عمار (عطوة) من خلال أُناس محايدين ، ولا يجوز أن يذهب بنفسه للطرف المساء إليه .
وهنا لابد من الإشارة بأنه فى حالة الإساءة البالغة كما أشرنا ، لابد للطرف المسىء أن يبادر إلى أخذ عمار (عطوة) من الطرف المساء إليه عن طريق أناس محايدين ، وذلك فى غضون ثلاثة أيام وإن إنقضت فترة الثلاثة أيام دون أن يأخذ العمار ، ترتب عليه حق كبير وهو ما يعرف(بالتهميل) بالإضافة للحق الأصلى ، ويكون عرضه للإنتقام المشروع فى العرف العشائرى .

ثانيا / البدوة
(وهى عبارة عن نوع من المبادرة فى طلب الحق)
قد يسىء طرف لطرف آخر بالقول أو بالفعل ، ولكنه لا يعترف بخطئه ويتجاهل هذه الإساءة ، أو قد يماطل فى دفع ما عليه من حقوق لصاحبها ، وبالتالى فإنه لم يبادر إلى أخذ العمار من الطرف المساء إليه فى الأولى ، وكذلك فإنه قد ماطل فى دفع ما عليه من حقوق للطرف الآخر فى الثانية ، هذان مثالان إساءة ومماطلة من طرف بحق طرف .
هنا يبادر صاحب الحق بإرسال (بدوة) مكونة من شخص ، أو من شخصين أو ثلاثة أشخاص إلى الطرف المسىء ، أو إلى المدين له بحقوق مادية ، ويفضل هنا أن تكون البدوة من ثلاثة رجال ، ويطلق عليها فى العرف(بداى وشاهد وكفيل).
و تنحصر مهمة القائمين بالبدوة فى إبلاغ الرسالة بحذافيرها دون زيادة أو نقصان ، فيقول أحدهم بعد شرب القهوة (أرسلنا فلان بشأن الطلبة الفلانية) ، فإما أن تعطيه حقه وإما أن تلاقيه عند راعى بيت (إما أن تدفع حقه بالتراضى أو بالتقاضى) .
هنا إما أن يرد المبدى عليه بالإيجاب ، ويدفع ما عليه دون ملاقاة أو تقاضى ، وإما أن يرحب بالبدوة ويقول (يا مرحباً ما يبدى عليك إلا الصاحب) ، أنا مستعد أن ألاقيه فى بيت فلان وهنا تتجه القضية للحل ، وإما ألا يستجيب المبدى عليه
للبدوة الأولى ويرفض دفع الحق أو الملاقاة ، هنا لابد من إرسال بدوة ثانية بأناس مختلفين ، وإن رفض يلحقه ببدوة ثالثة بأناس أيضاً مختلفين ، وفى كل بدوة يشهد ويودع على الملأ ، ويقول أرسلت بدوة لفلان من فلان وفلان لكى يلاقينى فى بيت
لأخذ حقى حسب العرف والعادة ورفض ملاقاتى .
والتشهيد والتوديع أمام سمع وجمع ضرورى جداً للمبدى ، حتى لا يلحقه أى مأخذ عندما يباشر فى تحصيل حقوقه المادية ، أو الأخذ بثأره بيده .
بإنتهاء البدوة الثالثة فإن للمبدى أن يأخذ حقه بيده ، فإن كان الحق ضرباً أخذ حقه بيده ، وإن كان الحق مالاً وسق على إبل وماشية المبدى عليه ، وله الحق فى أن يضع يده على ممتلكات المبدى عليه إلى أن يستوفى حقوقه ، ولا يجوز أن يوسق صاحب الحق على أكثر من حقه ، ويجب أن يعلن على الملأ سبب التوسيق مع العلم بأن هناك أشياء لا يجوز أن يوسق عليها ، وإلا لحق الموسق حق كبير سنذكرها لاحقاً (أى أن هناك أصولاً مرعية للوساقة يجب عدم تجاوزها) ، أما إذا كان صاحب الحق ضعيفاً يجوز له الإلتجاء لطرف قوى لتحصيل حقوقه ، ويسمى ذلك بالطنب وهنا يقوم القائم بالطنب بإرسال بدوة للطرف المتمنع عن دفع الحق ، ويقول له (أعطنى حق طنيبى فلان أو لاقينى فى بيت) فإن تمنع وجب لراعى الطنب تحصيل حق طنيبه بالقوة .
و سنتحدث لاحقاً عن الطنب وأصوله .
إما إذا إستجاب المبدى عليه للبدوة فى المثالين السابقين فإنه يتم تحديد المكان والزمان ، ويجتمع الطرفان عند راعى بيت يسمى (الملم) ، مع تعيين كفيل للمبدى عليه فى حال كانت البدوة بدوة بطران (أى باطلة) ، يجلس المبدى للمبدى عليه ليعطيه حق بدوة البطران ، وبعد ما سبق عن البدوة وأصولها ، فإننى سأضيف بعض الملاحظات ، والتى سمعتها من أهل العلم (أثناء الزيارات الميدانية لهم ، وفى مجالسهم عن البدوة وأصولها) .
1.  البدوة من الأفضل أن تتكون من ثلاثة أشخاص (بداى وشاهد وكفيل) ، ولابد من وجود كفيل ، وإلا إعتبرت منقوصة ، لأنه بعدم وجود الكفيل تكون هناك فرصة للمبدى عليه ، للتهرب من البدوة .
2.  البداه ثلاث مرات ، وفى كل مرة يغير المبدى أشخاص البدوة ، ويشهد ويودع على خصمه بعدم قبوله البدوة ، وبين البدوة والبدوة ثلاثة أيام أو أكثر .
3.  فى البدوة الثالثة قد يتهرب المبدى عليه بالقول ، أنا مكبور وكبيرى فلان ، هنا لابد من إعادة البداه من جديد على هذا الكبير، وبثلاث بدوات أيضاً (مع مراعاة شروط البداه) .
4.  قد يقول لك الكبير فى البدوة الثالثة أنا مكبور (يريد اللعب مع المبدى) ، هنا تسأل عن هذا الكبير الذى بديت عليه هل هو فايز وجايز فى ربعه ، وهل إلتزم قبل ذلك وأوفى ، وهل قوله مسموع (صاحب ديوان وبكرج مليان) . هنا لا تقوم بالبداه على الكبير الثانى ، بل لك أن تُحصل حقك بيدك ، وأنت فى هذه الحالة لا تُعرك عليه ويدك مطلوقة فى تحصيل حقوقك .
5.  إذا لم يستطع المبدى بعد ما سبق الحصول على حقه بيده ، نظراً لضعفه وضعف عشيرته ، وأطنب على شخص أو عشيرة لتحصيل حقوقه ، فإن البدوات السابقة كافية ” العلم ساتى ” ويسأله القائم بالطنب (عدمته) أى إتبعت الإجراءات العرفية السابقة ، فيقول له نعم ، هنا ليس للقائم بالطنب أن يبدى على خصم طنيبه مرة أخرى ، وله أن يحصل حقوق طنيبه بالقوة ، لأن الأصيل يكون قد عدم العميل .

ثالثاً / الملم
الملم هو راعى البيت (صاحب) الذى إتفق الطرفان المتخاصمان على الإلتقاء عنده للتدوال فى قضيتهما ، وحصرها فى نقاط محدده ، وقد تحل القضية قيد البحث عند الملم و بتراضى الطرفان ، والملم يجب أن يكون على معرفة تامة بالقضاء العشائرى ، وهو مشهود له بالنزاهة والعدالة ، أما إذا إختلف الطرفان على تحديد الملم وكان الطرفان من قبيلة واحدة ، يعدون الملام الثلاثة للقبيلة (لكل قبيلة ثلاثة ملام) ، يعدف كل فريق واحداً ويذهبان عند الملم الثالث الذى لم يعدف ، أما إذا كان المتخاصمان من قبيلتين مختلفتين ، يعدون ثلاثة ملام إثنان من قبيلتى المتخاصمين والثالث من قبيلة ثالثة ، والملم لا يغرم ولا يجرم بل تبحث عنده القضية وتقرم ، ويحدد القاضى ذو الإختصاص الذى سيذهب إليه المتخاصمان ، وهو بالتالى عبارة عن مجلس تحقيقى يشبه النيابة فى القضاء المدنى ، وهو فى العادة لا يأخذ رزقه وهو مدفن حصى ويحدد عنده موعد اللقاء (اللقا) عند القاضى المتخصص ، ومربط العلم وأمينه ومرده ، وإليه يرجع القاضى المتخصص فى حال إختلاف علم المتخاصمين ، وبالتالى لا يجوز للفريقين أن يتجاوزا العلم الذى إتفقا عليه عند الملم أمام قاضى الإختصاص . وأحياناً تحل القضية عند الملم مباشرة ، إذا يقول أحد الفريقين (هذه رزقة مشروى عند راعى البيت فى كل ما يهمنى) ، ويقوم الطرف الثانى بدفع رزقة مماثلة ، ويتم التقاضى عند الملم بعد تعيين كل طرف كفيل وفاء للطرف الثانى . وبسؤال أحد قضاة التياها عن الملم أفاد بما يلى :
1.  الملم (أو بيت العمارة) هو أول من ينظر بالقضية لإحالتها لذوى الإختصاص.
2.  لا رزقة للملم فى حالة إتفاق الطرفين على علم (واضح) ، والرزقة للملم فى حالة الإنكار .
عند الرجوع للملم (مربط العلم) من عند الكبار لسؤاله عن مسألة معينة لا تُدفع له رضاوة ، أما إذا إشترط الملم على المتخاصمين بقوله ، أنا بأنسى وعلمكوا مودع مع فلان ، فإن لفلان رضاوة لكى يبوح لهم بالعلم المربوط عند الملم .

رابعاً / الحصا
1.  دفن الحصا: دفن الحصا هو إتفاق على التقاضى بشأن قضية محددة ، وبحضور صاحب البيت (الملم) ، (قد يمسك الطرف المبدى حصا ، ويقول وداعتك يا راعى البيت أنا ودى من فلان الحق الفلانى ، أو متهمه بالقضية الفلانية وهذه حصاتها ، ويقوم بدفن الحصا فى الأرض) ودى يسلمنى رسنة حتى أخذ حقى منه من عند أهل العلم (القضاة) .
ودفن الحصا يحتاج إلى مهارة فائقة ، لأن التقاضى عند القاضى المتخصص ، ونتائج هذا التقاضى يترتب على المهارة فى دفن الحصا (ربط العلوم) .
2.  قرط الحصا : قرط الحصا يعنى إخراج قضية فرعية من القضية الرئيسية ، أو تأجيل البحث فى هذه القضية الفرعية ولو مؤقتاً ، والرجوع إليها لاحقاً فمثلاً إذا إعتدى رجلان على آخر ، وطالب المعتدى عليه أحدهما للجلوس عند راعى بيت ، فإن هذا المعتدى
فى بيت الملم يقول (أنا أسلمك رسنى لأعطيك حقك فيما بدر منى ، ولا شأن لى بفلان وهذه حصاته) ، ويلقى بحصاه جانباً دلاله على عدم مسئوليته عن فعل الآخر ، أو قد يقول أحدهم نحن يا راعى البيت بصدد بحث القضية الفلانية ، أما باقى الأمور فهذه حصاتها ويرمى بحصاه جانبَا ، وبالتالى هو يحدد نوع القضية التى ستنظر عند القاضى المتخصص .

خامساً / الخط
بعد حصر القضية وتحديدها عند الملم ، يخط المبدى عليه ثلاثة خطوط بالسبابة والوسطى والبنصر ، ويقول للمبدى (هذا لك ثلاثة كبار ، ويعد أسماء ثلاثة قضاة) فى الحق الذى تلحقه على ، فإذا رضى الطرف الثانى بالقضاة الذين خطهم الطرف الأول يصار إلى العدف ، وإذا لم يرض بالقضاة يتداول الطرفان بحضور الملم فى القضاة الذين تم خطهم ، وقد يتقاضى الطرفان فى تحديد القضاة الخاصين بهذه المشكلة .
إذا كان المتخاصمان من قبيلة واحدة يتم خط الثلاثة الكبار من نفس القبيلة (لكل قبيلة ثلاثة كبار) ،
أما إذا كان المتخاصمان من قبيلتين مختلفتين ، فإنهما يخطان ثلاثة قضاة إثنان من قبيلتى الطرفين والثالث من قبيلة أخرى .

سادساً / العدف
العدف فى اللغة يعنى الأكل ، وهنا يأتى بمعنى الإدخار، والإختيار لقاضى يتوخى منه العدالة والإنصاف ، إذا ما شعر العادف بالظلم من قرار القاضى الأول (أى أنه يستأنف الحكم لدى هذا القاضى) ، وهنا وكما فى المحاكم المدنية تنقسم درجات
التقاضى إلى ثلاث طبقات ، فإن التقاضى فى العرف والعادة أيضاً يتكون من ثلاث طبقات ، فالقاضى الأول يعتبر محكمة أول درجة (إبتدائية) ، والقاضى الثانى (المعدوف) يعتبر إستئناف ، والقاضى الثالث (المعدوف) فى حال إختلاف قرار القاضى الثانى عن الأول يعتبر قاضى تمييز ، أى لترجيح حكم على حكم .
ويتم العدف عندما يقوم المبدى عليه بخط ثلاثة قضاة للمبدى ، ويتم الإتفاق على الثلاثة ، وقبول الطرفين المتخاصمين لهما كقضاة للقضية موضوع البحث عند الملم .
هنا فإن المبدى له الأولوية بالعدف لأحد القضاة (الإختيار) كون المبدى عليه هو الذى قام بالخط ، ويكون الحق ثانياً للمبدى عليه بالعدف لقاضى من القضاة الإثنان الباقيان .
أما القاضى الثالث الذى لم يعدف فهو القاضى الذى سينظر القضية ، وتتم عملية الخط والعدف بحضور قاضى الملم ، وذلك لأن القاضى الذى سينظر القضية قد يعود للملم لإستيضاح بعض النقاط التى تم الإتفاق عليها فى بيته ، إذا إختلف فيها المتخاصمان (يرد لمربط علمهم) والملم إنسان مصدق . وقبل الذهاب للقاضى الذى سينظر القضية يتم تعيين كفلاء (اجماع واحضار) ، ومن يتغيب عن موعد اللقاء المحدد سابقاً فى بيت الملم يعد (مفلوج) ، أى خاسر للقضية وذلك بدون سبب شرعى ، لكن يحق لأى طرف رفع موعد التقاضى لمدة ثلاثة أيام ، أو أكثر لسبب قاهر وهناك فى العرف والعادة أسباب مقبولة تحول دون الحضور للمواعيد الرسمية (مواعيد التقاضى) ، وهى (المرض الشديد والموت والمطر وحجز الدولة) .
أما إذا تم ربط موعد اللقاء للتقاضى عند شخص عادى ، وليس عند ملم وفى حالة حصول خلاف على نقاط محددة بين الطرفين ، فإن القاضى يحيل الطرف المعترض على جزئيه مصطحباً معه سامعه إلى هذا الشخص (شاهد) ، للتأكد من الجزئية المختلف عليها ويسمى هذا الشخص (مرضوى) ، لأنه لكى يبيح بما تم عنده من علوم لابد من إرضائه بمبلغ معين ، فى حين أن الملم ملزم بالتصريح بما ربط عنده من علوم دون مقابل .
فى بعض الأحيان قد يتجه المتخاصمان مباشرة إلى قاضى ، ويعلمانه بأنهما حضرا للتقاضى عنده بشأن القضية الفلانية ، ويصرحا للقاضى بأن إخوانه فى لسانه (أى أن القاضى نفسه يخط لهما القاضيان الثانى والثالث) ، وعند موافقة المتخاصمين على القاضيين الذين خطهما راعى البيت ، يقوم كل طرف بعدف قاضى ولا يجوز عرفاً أن يعدف راعى البيت (الرجال ما تنعدف) أى لزاماً أن يكون راعى البيت هو القاضى الأول ، لأنه ليس من اللائق أن يعدف وهم فى بيته.
وكما ذكرنا فى الملم فإن لكل قبيلة ثلاثة كبار يتم التقاضى عندهم ، ولا يجوز تسمية قاضى من قبيلة أخرى إلا إذا كان المتخاصمان من قبيلتين مختلفتين .

شاهد أيضاً

دحية عشيرة أبوعمرة | من أفراح عشيرة أبوعمرة في بئر السبع |

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *